ابن سبعين
274
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
وقيل في قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] إنها سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنه الرحمة التي وسعت العالمين كلهم مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم ، حيوانهم ونباتهم وجمادهم ، أرضهم وسماءهم ، عرشهم وفرشهم ، دنياهم وأخراهم . وقيل في قوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] : إن الرحمة هو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والفضل من اللّه ، إبرازه للعالمين والهداية والتوفيق للإيمان به والمجيء إليه ، والزيادة له ، والاستغفار عنده انتهى . وأما ما يتعلق بكونه صلّى اللّه عليه وسلّم النور المحض : ففي « جواهر المعاني » نقلا عن شيخه أبي العباس التيجاني في « شرحه لجوهرة الكمال » لدى قوله فيها عين الرحمة قال ما نصه : اعلم أن الحق سبحانه وتعالى اقتطع قطعة من النور الإلهي في غاية الصفاء والتجوهر ، ثم أبطن في تلك القطعة ما شاء أن يقسمه لخلقه من العلم بصفات اللّه تعالى وأسمائه وكمالات ألوهيته ، وبأحوال الكون وأسراره ومنافعه ومضاره ، وبالأحكام الإلهية أمرا ونهيا ، وجعل تلك القطعة من النور مقر الانصباب ، كل ما قسم لخلقه في سابق علمه من الرحمة الإلهية ، ثم صار يفيض على خلقه ، ما أقره في الحقيقة المحمدية من العلم والرحمة ، فكان بهذه المثابة هو عين الرحمة صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان ذلك النور هو الحقيقة المحمدية ، وتلك الرحمة المفاضة في ذاته هي التي يفيضها على الوجود من ذاته الكريمة ، فلا يصل شيء من الرحمة إلى الوجود إلا من ذاته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذاته الكريمة بمنزلة المقر للمياه الذي تجتمع فيه وتتفرق من ذلك المقر سواقي للسقى والانتفاع ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما أنا قاسم واللّه معطى « 1 » » . أي ينظر إلى ما سبق في العلم الأزلي من الاقتطاع ، ثم يفرق صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الرحمة على حسب ذلك الاقتطاع ، فلهذا سمي عين الرحمة صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم ذكر لتسميته بعين الرحمة نسبة أخرى ووجه آخر ، وهو أنه الأنموذج الجامع في إفاضة الوجود على جميع الوجود ، فإنه لولا وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان لموجود أصلا من غير الحق سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 71 ) .